بقلم فضيلة الدكتور صاحبزاده عزير محمود الأزهري
(رئيس الرابطة العالمية لخريجي الأزهر بباكستان، مدير المؤسسة العلمية العصرية، عضو مجمع الفكر الإسلامي)

مقدمة في الإعجاز البياني

تعد سورة الكوثر أقصر سورة في القرآن الكريم من حيث عدد الكلمات والآيات (ثلاث آيات معدودات)، غير أنها تزن في ميزان البلاغة النبوية والفصاحة القرآنية ما تعجز عن وصفه الأسفار. نزلت تسليةً لقلب المصطفى ﷺ حينما رماه صناديد الشرك في مكة بالبتر بعد وفاة أولاده الذكور، فجاء الرد الإلهي الصاعق يحمل الخلود والشرف الأبدي للحبيب المصطفى ﷺ.

التحليل البلاغي للفظ "الكوثر"

اشتق لفظ "الْكَوْثَر" من مادة (ك ث ر)، وجاء على وزن (فَوْعَل) وهو من أبلغ صيغ المبالغة في لسان العرب، ويدل على الخير المفرط المتكاثر الذي لا ينقطع ولا يُحاط به.


وقد تضافرت أقوال المفسرين في بيانه:

  • نهر الكوثر والحوض المورود في الجنة.
  • النبوة والقرآن والشريعة الخالدة والشفاعة العظمى.
  • كثرة الأتباع وعلو الذكر في كل أذان وإقامة، ودوام نسله الشريف ﷺ عبر آل بيته الأطهار.

وافتتحت السورة بأسلوب التوكيد الإلهي بنون العظمة: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾؛ إشعاراً بعظمة المعطي وجلال العطية.

الاستجابة الإيمانية: الصلاة والنحر

وجاء الأمر الإلهي بالفاء الرابطة: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾؛ إيذاناً بأن مقتضى هذه المنحة العظمى هو إخلاص العبودية بالصلاة وبذل أزكى الأموال بالنحر، تجريداً للتوحيد ورداً على شرك الجاهلية.

خيبة المبغضين وخلود الذكر النبوي

وتختتم السورة بالمعجزة الخالدة: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾؛ والشانئ هو المبغض الحاقد، والأبتر هو المنقطع أثره. فذهب أعداء النبي كالعاص بن وائل وأبي جهل إلى مزابل النسيان واللعنات، وبقي ذكر محمد ﷺ مرفوعاً فوق مآذن الأرض إلى يوم الدين.

خاتمة

تعلمنا سورة الكوثر أن البقاء الحقيقي إنما هو للحق ولأولياء الله، وأن خلود المرء موصول بمدى اتصاله برحمة الله ورسوله ﷺ.