بقلم فضيلة الدكتور صاحبزاده عزير محمود الأزهري
(رئيس جمعية ركن الإسلام التعليمية، مدير المؤسسة العلمية العصرية، عضو مجمع الفكر الإسلامي بباكستان)

مقدمة بيانية

تعد سورة قريش من أروع سور المفصل بلاغةً وإيجازاً؛ حيث توجه الخطاب الإلهي المباشر إلى قبيلة قريش، مذكرة إياهم بأعظم نعمتين تقومان عليهما كينونة المجتمعات: الكفاية الاقتصادية والأمن المجتمعي، ومستنهضةً هممهم لعبادة المنعم سبحانه وتعالى وحده لا شريك له.

التحليل اللغوي والاشتقاقي

تدور السورة حول الجذر اللغوي (أ ل ف)، ومنه "الإيلاف" الدال على التألف والائتلاف والاستئناس والعهود التجارية الآمنة. وهو يشير بلاغياً إلى عهود الأمان (الإيلاف) التي مكنت قريشاً من تسيير قوافلها بين اليمن صيفاً والشام شتاءً دون خوف من قاطعي الطرق.

ويأتي مطلع السورة ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ بأسلوب براعة استهلال معلق، يثير التشويق في ذهن السامع لربط النعمة بالغاية التي خُلقت من أجلها.


الرعاية الإلهية والتوازن الاقتصادي

إن التعبير القرآني ﴿رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾ ليس مجرد وصف جغرافي، بل صياغة تبرز النظام والانتظام والتوفيق الرباني في جزيرة عربية كانت تشتعل بالحروب والثارات، فجعل الله حرمه آمناً يُجبى إليه ثمرات كل شيء.

الأمر بالعبودية وشكر المنعم

تفرع عن ذلك الأمر الجازم: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ﴾ المقترن بفاء الجزاء؛ أي: فإذا كانت هذه أفضال الله ونعمه عليكم، فإن مقتضى العقل والإنصاف أن تفردوه بالعبادة والتوحيد. وجاءت إضافة الرب إلى "هذا البيت" تشريفاً للكعبة المشرفة وربطاً للسيادة بالمسؤولية الإيمانية.

خاتمة

ترسي سورة قريش في كلمات معدودات المعادلة الحضارية الخالدة: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾؛ فلا نهضة بلا أمن غذائي وسلام اجتماعي، ولا بقاء لنعمة دون شكر لخالقها سبحانه وتعالى.